الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
147
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وفيه إيذان بانتهاء السّورة لأنّ الواعظ والمناظر إذا أشبع الكلام في غرضه ، ثمّ أخذ يبين ما رضيه لنفسه وما قرّ عليه قراره ، علم السّامع أنّه قد أخذ يطوي سجلّ المحاجّة ، ولذلك غيّر الأسلوب . فأمر الرّسول صلى اللّه عليه وسلّم بأن يقول أشياء يعلن بها أصول دينه ، وتكرّر الأمر بالقول ثلاث مرّات تنويها بالمقول . وقوله : إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي متصل بقوله : وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ [ الأنعام : 153 ] الذي بيّنه بقوله : وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ [ الأنعام : 92 ] فزاده بيانا بقوله هذا : قُلْ إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ، ليبيّن أنّ هذا الدّين إنّما جاء به الرّسول صلى اللّه عليه وسلّم بهدي من اللّه ، وأنّه جعله دينا قيّما على قواعد ملّة إبراهيم عليه السّلام ، إلّا أنّه زائد عليه بما تضمّنه من نعمة اللّه عليه إذ هداه إلى ذلك الصّراط الذي هو سبيل النّجاة . وافتتح الخبر بحرف التّأكيد لأنّ الخطاب للمشركين المكذّبين . وتعريف المسند إليه بالإضافة للاعتزاز بمربوبية الرّسول صلى اللّه عليه وسلّم للّه تعالى ، وتعريضا بالمشركين الذين أضلّهم أربابهم ، ولو وحّدوا الربّ الحقيق بالعبادة لهداهم . وقوله : هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ تمثيليّة : شبّهت هيئة الإرشاد إلى الحقّ المبلّغ إلى النّجاة بهيئة من يدلّ السّائر على الطّريق المبلّغة للمقصود . والمناسبة بين الهداية وبين الصّراط تامّة ، لأنّ حقيقة الهداية التّعريف بالطّريق ، يقال : هو هاد خرّيت ، وحقيقة الصّراط الطّريق الواسعة . وقد صحّ أن تستعار الهداية للإرشاد والتّعليم ، والصّراط للدين القويم ، فكان تشبيها مركّبا قابلا للتفكيك وهو أكمل أحوال التّمثيليّة . ووصف الصّراط بالمستقيم ، أي الذي لا خطأ فيه ولا فساد ، وقد تقدّم عند قوله تعالى : وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ [ الأنعام : 153 ] ، والمقصود إتمام هيئة التّشبيه بأنّه دين لا يتطرّق متّبعه شكّ في نفعه كما لا يتردّد سالك الطّريق الواسعة التي لا انعطاف فيها ولا يتحيّر في أمره . وفي قوله : دِيناً تجريد للاستعارة مؤذن بالمشبّه ، وانتصب على الحال من : صِراطٍ لأنّه نكرة موصوفة . والدّين تقدّم عند قوله تعالى : إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ [ آل عمران : 19 ] وهو السّيرة التي يتّبعها النّاس .